عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
100
معارج التفكر ودقائق التدبر
مِنْ قَوارِيرَ قوارير : جمع قارورة ، وهي وعاء من زجاج تحفظ فيه السّوائل . وربّما كان بلاط أرض الصّرح قوارير على شكل قطع اللّبن ، وسطحها الظّاهر متموّج ، وتملأ كلّ قارورة منها من فتحة فيها بماء ، وتسدّ الفتحة سدّا محكما ، وصفّت هذه القوارير صفّا محكما على الأرض بلاصق شفّاف بينها ، فصارت ترى على شكل ماء ماليء للسّاحة الداخليّة من القصر . وكان الدّهش قد بلغ من « بلقيس » مبلغه الأقصى ، وسيطرت على مشاعرها شخصيّة سليمان العظيمة ، وتفجّر من أعماقها الرّشد وكمال العقل ، وحرّكتها دوافع الإيمان باللّه ربّ العالمين ، ساعتئذ . قالَتْ معلنة توبتها من كفرها الّذي كانت فيه وهي متوجّهة للّه بالدّعاء ، ومعلنة إسلامها له : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي : أي : كنت ظالمة لنفسي فيما سبق من عمري ، بالشّرك الذي كنت فيه ، اتّباعا لقومي وتقليدا أعمى لآبائي وأجدادي . وَأَسْلَمْتُ : أي : وأسلمت منذ الآن إسلاما مبنيّا على إيمان صادق . مَعَ سُلَيْمانَ : أي : مصاحبة له في إسلامه التطبيقيّ العمليّ ، على وفق دين اللّه لعباده . لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : أسلمت للّه ربّ العالمين جميعا . والمراد بالعالمين هنا كلّ ما سوى اللّه عزّ وجلّ . وبهذا تم تدبّر الدرس الثالث من دروس السورة والحمد للّه على توفيقه وفتحه ومدده .